أبي بكر الكاشاني
180
بدائع الصنائع
سهيل بن عمرو يعرض عليه الصلح وان يسوق البدن وينحر حيث شاء فصالحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتمل أن ينحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه في الحل مع امكان النحر في الحرم وهو بقرب الحرم بل هو فيه وروى عن مروان والمسور بن مخرمة قالا نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في الحل وكان يصلى في الحرم فهذا يدل على أنه كان قادرا على أن ينحر بدنه في الحرم حيث كان يصلى في الحرم ولا يحتمل أن يترك نحر البدن في الحرم وله سبيل النحر في الحرم ولان الحديبية مكان يجمع الحل والحرم جميعا فلا يحتمل أن ينحر في الحل مع كونه قادرا على النحر في الحرم ولو حل من احرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه في الحرم ثم ظهر انهم ذبحوا في غير الحرم فهو على احرامه ولا يحل منه الا بذبح الهدى في الحرم لفقد شرط التحلل وهو الذبح في الحرم فبقي محرما كما كان وعليه لاحلاله في تناوله محظورات احرامه دم لما قلنا وكذلك لو بعث الهدى وواعدهم أن يذبحوا عنه في الحرم في يوم بعينه ثم حل من احرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه فيه ثم تبين انهم لم يذبحوا فإنه يكون محرما لما قلنا ولو بعث هديين وهو مفرد فإنه يحل من احرامه بذبح الأول منهما ويكون الآخر تطوعا لوجود شرط الحل عند وجود ذبح الأول منهما ولو كان قارنا لا يحل الا بذبحهما ولا يحل بذبح الأول لان شرط الحل في حقه الزمان فما لم يوجد الا يحل ولو أراد ان يتحلل بالهدى فلم يجد هديا يبعث ولا ثمنه هل يحل بالصوم ويكون الصوم بدلا عنه قال أبو حنيفة ومحمد لا يحل بالصوم وليس الصوم بدلا عن هدى المحصر وهو ظاهر قول أبى يوسف ويقيم حراما حتى يذبح الهدى عنه في الحرم أو يذهب إلى مكة فيحل من احرامه بأفعال العمرة وهو الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر كما يفعله إذا فاته الحج وهو أحد قولي الشافعي وقال عطاء بن أبي رباح في المحصر لا يجد الهدى قوم الهدى طعاما وتصدق به على المساكين فإن لم يكن عنده طعام صام لكل نصف صاع يوما وهو مروى عن أبي يوسف وقال الشافعي في قول ان الهدى للاحصار بدلا واختلف قوله في ماهية البدل فقال في قول البدل هو الصوم مثل صوم المتعة وفى قول البدل هو الاطعام وهل يقوم الصوم مقامه له فيه قولان وجه قول من قال إن له بدلا ان هذا دم يقع به التحلل فجاز أن يكون له بدل كدم المتعة ولنا قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله أي حتى يبلغ الهدى محله فيذبح نهى الله عن حلق الرأس ممدود إلى غاية ذبح الهدى والحكم الممدود إلى غاية لا ينتهى قبل وجود الغاية فيقتضى أن لا يتحلل ما لم يذبح الهدى سواء صام أو أطعم أولا ولان التحلل بالدم قبل اتمام مواجب الاحرام عرف بالنص بخلاف القياس فلا يجوز إقامة غيره مقامه بالرأي واما الحلق فليس بشرط للتحلل ويحل المحصر بالذبح بدون الحلق في قول أبي حنيفة ومحمد وان حلق فحسن وقال أبو يوسف أرى عليه أن يحلق فإن لم يفعل فلا شئ عليه وروى عنه أنه قال هو واجب لا يسعه تركه وذكر الجصاص وقال إنما لا يجب الحلق عندهما إذا أحصر في الحل لان الحلق يختص بالحرم فأما إذا أحصر في الحرم يجب الحلق عندهما احتج أبو يوسف بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق عام الحديبية وأمر أصحابه بالحق فدل أن الحلق واجب ولهما قوله تعالى فان أحصرتم فما استيسر من الهدى معناه فان أحصرتم وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما استيسر من الهدى جعل ذبح الهدى في حق المحصر إذا أراد الحل كل موجب الاحصار فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الموجب وهذا خلاف النص ولان الحلق للتحلل عن افعال الحج والمحصر لا يأتي بافعال الحج فلا حلق عليه وأما الحديث فعلى ما ذكره الجصاص لا حجة فيه لان الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم فيحتمل انه أحصر في الحرم فامر بالحلق واما على جواب المذكور في الأصل فهو محمول على الندب والاستحباب واما زمان ذبح الهدى فمطلق الوقت لا يتوقت بيوم النحر سواء كان الاحصار عن الحج أو عن العمرة وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد ان المحصر عن الحج لا يذبح عنه الا في أيام النحر لا يجوز في غيرها ولا خلاف في المحصر عن العمرة انه يذبح عنه في أي وقت كان وجه قولهما ان هذا الدم سبب للتحلل من احرام الحج فيختص بزمان التحلل كالحلق بخلاف العمرة فان التحلل من احرامها بالحلق لا يختص بزمان فكذا